محمد اركون ( تعريب : هاشم صالح )

95

القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني

يمكننا بسهولة أن نكثر من عدد الاستشهادات أو الآيات القرآنية التي تذهب في الاتجاه عينه إذا كنا مهتمين بالتعرّف على أنواع الرفض والاعتراضات التي لاقاها أنبياء آخرون غير محمد أو قبله . ولكن الآيات التي ذكرناها تكفي للبرهنة على الدور المحوري الذي لعبه موضوع الصحة الإلهية للكتاب . فهي تتيح لنا أن نكشف عن المفاهيم المشكّلة أو المؤسّسة لذلك المصطلح القديم ، مصطلح « الكتاب السماوي » « * » الذي استعاده القرآن وبلوره باللغة العربية . هذا يعني أننا لن نكتفي بتكرار ما قالته التفاسير الإسلامية الكلاسيكية عن طريق ضبط تاريخية معلوماتها وتقييم مدى صحة أو متانة تفسيراتها ، وإنما نهدف من وراء هذا البحث إلى شيء أبعد وأعمق . إننا نهدف إلى طرح السؤال التالي : إلى أي مدى يمكن للمشكلة التي أثارها معاصرو النبي أن تحثّ الفكر الإسلامي الحديث على القيام بمراجعة نقدية للموقف المكرس والمرسّخ منذ قرون عديدة من قبل « الأرثوذكسية » ، وعلى فتح المناقشة من جديد بناء على الأسس العلمية الحالية . وللتوصل إلى مثل هذا الهدف ينبغي اتخاذ القرارات التالية : 1 - إن الجدلية التوترية أو الصراعية الكائنة بين المعارضين / والقابلين ، أو بين الكفّار / والمؤمنين « الذين يرجون لقاء اللّه » ، ينبغي أن تدرس أولا دراسة تاريخية ، وليس داخل الإطار اللاهوتي كما كان يحصل سابقا . بمعنى أنه ينبغي أن نقدم صورة تاريخية عن الوضع الذي كان سائدا آنذاك ، لا أن ننغلق منذ البداية داخل الصورة اللاهوتية الموروثة . 2 - لا ينبغي على التحرّي التاريخي بعد الآن أن يحصر مهمته فقط بوصف الوقائع ، وتحديد الأسماء أو التحقق من هويتها ، وكذلك تحديد المصادر ، وأصل الأفكار وقراباتها وسلاسلها . وإنما الشيء الأهمّ من ذلك هو التالي : تحديد نمط معيّن من أنماط المعرفة ، أو طريقة ما من طرق إدراك الزمن والواقع ، ثم تحديد شبكة معيّنة من شبكات التواصل أو التوصيل . هذا هو الشيء الأكثر أهمية إذا ما أخذنا بعين الاعتبار مكتسبات التاريخ الخارجي . وعلى هذا النحو يمكننا أن نطرح من وجهة نظر تاريخية ، ونفسانية ، ولغوية مسألة الاستمرارية والانقطاع داخل فعالية الوعي الديني .

--> * مصطلح الكتاب السماوي هو بالفرنسية Celeste Livre . Le ويبدو أنه كان موجودا قبل ظهور الإسلام والقرآن في ثقافات منطقة الشرق الأوسط القديم . ثم عرفه اليهود واعتقدوا بنزول كتاب عليهم من السماء . وكذلك فعل المسيحيون . ثم جاء القرآن لكي يقدم لأول مرة صياغة باللغة العربية عن هذا الكتاب السماوي المقدس . وكذلك شاع مصطلح الأديان السماوية تمييزا لها عن الأديان الأرضية . ولكن المشكلة هي أن الباحثين اكتشفوا وجود علاقة تاريخية بين هذه وتلك . وكان كشفا صاعقا لا يقل أهمية عن اكتشافات داروين أو كوبرنيكوس . . هذا لا يعني بالطبع نفي الوحي أو الاستلهام الرباني كما يفعل الملاحدة والوضعيون . . .